عبد الملك الجويني
164
الشامل في أصول الدين
الإطلاق منها . فإن أقصى ما رام المعتزلة بالتشبث بالغيرية في الصفات ، أن يثبتوا أن الصفة ليست لموجود زائد على الذات . فإذا صرح خصومهم بأن العلم والذات موجودان ، ومنع عدمهما من حيث ثبت قدمهما ، فيؤول الكلام بعد ذلك إلى إطلاق العبارة مع انتفاء النزاع في المعنى . ثم قال القاضي : ولست أرى هذه المسألة بالغة مبلغ القطعيات من حيث لم يدل عليها عقل ، ولم تنتصب فيها دلالة قاطعة شرعية ، وغرضه بما ذكره تمييز المسائل في القطع والتجويز حتى لا يجري الشادي جميع المسائل مجرى واحدا . فصل [ اللّه تعالى مخالف لخلقه ] قد أطلق معظم الأئمة القول بأن اللّه تعالى مخالف لخلقه ، وهو خلاف خلقه . وامتنع أبو الهذيل من القول بأنه مخالف لخلقه ، وأطلق القول بأنه خلاف خلقه بناء منه على ما تقدم من أصله ، حيث قال : المختلفان والمخالفان هما : الشيئان اللذان قام بهما خلافان . وفيما قدمناه عليه من الكلام مقنع . وذهب عباد بن سليمان الصميري « 1 » إلى أن اللّه تعالى ليس بمخالف لخلقه . وسلك في منع ذلك مسلكا غير مسلك أبي الهذيل ، وذلك أنه قال : لو كان مخالفا لخلقه ، لكان ذلك من أسمائه ، ولكان منكر ذلك كافرا يلزم التبري منه . وألزم الأشياء له أن يقال : أقصى ما تمسكت به المحاذرة عن إطلاق ما لم تمتنع الأمة منه . وهذا يجرك إلى أعظم ما تحاشيته ، فإنا نقول : أتزعم أن اللّه خلاف خلقه ؟ فإن اعترف بذلك توّجه عليه في الخلاف ما أنكره من المخالف . وإن امتنع من إطلاق الخلاف ، امتناعه من إطلاق المخالف . قيل له : إذا زعمت أن اللّه ليس بخلاف لخلقه ولا مخالف ، فقد صرحت بما ينبئ عن محض التشبيه . وهذا أولى بالمجانبة مما ذكرت . ثم نقول : ليس كل ما يعتقد في ذات الرب سبحانه وصفاته يعد في أسمائه ، وليس كل معدود من أسماء اللّه عند قوم مما يكفر جاحده ، ويتبرأ من منكره ، على ما سنشرح ذلك في كتاب « التكفير والتبري » إن شاء اللّه .
--> ( 1 ) هو عبادة بن سليمان الضمري ، من الطبقة السابعة من المعتزلة ، يظن أنه توفي في حدود سنة 250 ه . الملل والنحل للشهرستاني ص 58 .